عُمان
منوعات

رحلة التقاعد بين متعة الاستراحة ووحشة الغربة.. قراءة في تفاصيل ما بعد الخدمة

الرؤية٢٢ أغسطس ٢٠٢٦ في ٠٢:٣٧ م0 مشاهدة
رحلة التقاعد بين متعة الاستراحة ووحشة الغربة.. قراءة في تفاصيل ما بعد الخدمة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "التقاعد.. استراحة أم غربة؟ | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

عند شاطئ البحر الذي يأتي إليه العشرات، لكل واحدٍ منهم حكايته؛ فهذا يُمارس هواية المشي، وذاك يلعب كرة القدم، والصيادون يستعدون ليوم آخر في البحر، وآخرون تأتي بهم الذكريات. وحتى بعد أن غادر كثير من أبناء الحارة، وبَعُدت بهم الحياة عن شاطئها، ظل المكان يحتفظ في ذاكرتهم بشيء منهم، وظلوا يعودون إليه كلما اشتاقوا إلى أيام مضت. كان ذلك الرجل، واحدًا من هؤلاء.

التقيتُ به هناك، وعرضت عليه أن أوصله إلى منزله البعيد عن الحارة، فوافق. وفي الطريق سألته عن حاله بعد التقاعد. قال لي ببساطة وعفوية إنِّه مرتاح. حدثني عن أبنائه؛ إحدى بناته أنهت الجامعة، فيما لم يبقَ لابن آخر سوى عام على إنهاء دبلوم التعليم العام، وغادر أحد أبنائه إلى بيته، أما الأحفاد فقد ملأوا عليهم البيت حياةً وخاصة وأضاف أن من أسعد أوقاته حين يأخذهم معه إلى البقالة القريبة. كان قد تقاعد من وظيفة حكومية بسيطة، لا يملك سيارة ولا يحمل رخصة قيادة، وكان قد أنهى قبل أشهر قليلة آخر أقساط قرض السكن.

لم أسأله عن بقية التفاصيل؛ فبعض التفاصيل قد تُفسد لحظات الصفاء. لم يكن يشكو من شيء، وإنما أخذني حديثه إلى الحارة التي ما زالت تسكن ذاكرته، وإلى والدي- رحمه الله- وبعض المواقف التي جمعتهما، وإلى أناس غادروا الدنيا وبقيت ذكراهم في المكان. غادرتُه، لكن حديثه ظل معي، وظل سؤالان يرافقانني: هل كل مُتقاعد يجد في التقاعد ما وجده صاحبنا؟ وهل التقاعد… استراحة أم غربة؟

ربما تكون الإجابة مختلفة من شخص إلى آخر؛ فالتقاعد عند البعض فرصة لاستعادة الوقت والتفرغ للأسرة، وعند آخرين بداية مرحلة تحتاج إلى بعض الوقت حتى يعتاد الإنسان تفاصيلها. لكن القاسم المشترك بينهم أنهم أمضوا سنوات من أعمارهم في العمل، وتركوا خلفهم جهدًا وخبرة وتجارب لا ينبغي أن تنتهي قيمتها بانتهاء الخدمة. ومن هنا، فإنَّ علاقة المؤسسة بموظفها لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء خدمته؛ فالموظف الذي أفنى سنوات من عمره في العمل، يستحق أكثر من شهادة تقدير أو هدية رمزية أو حفل وداع بسيط.

ويبقى الجانب المعيشي حاضرًا في حياة المتقاعد، فلا يمكن أن نتحدث عن هذه المرحلة ونتجاهل ما يرافقها من التزامات واحتياجات؛ فاستقرار دخله لا ينعكس عليه وحده، وفي هذا السياق، لا بُد من الإشارة إلى صندوق الحماية الاجتماعية الذي جاء ليُشكِّل مظلةً أوسع للحماية الاجتماعية، ويوفر منظومة أكثر شمولًا لمختلف مراحل حياة الإنسان. التقاعد ليس نهايةً للإنسان، ولا ينبغي أن يكون غربةً عن الحياة، بل هو استراحة يستحقها بعد سنوات العطاء.

شارك الخبر: