تنويه
هذا الخبر بعنوان "لماذا يكبر الدكان ولا يصير شركة؟ | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يبدأ العديد من المشاريع بمحل صغير، ثم تتوسع مبيعاته وتُفتح له فروع ويزداد عدد موظفيه، وينتقل صاحبه إلى مكتب أكبر. من الخارج، قد يبدو أن الدكان قد أصبح شركة. لكن القرارات الأساسية في الداخل قد تظل مرتبطة بشخص واحد، هو الذي يحدد الاتجاه، ويختار المسؤولين، ويعتمد الاستثمارات والمشاريع، ويحمل في ذاكرته معرفة لا تتوافر لغيره. و«الدكّان» هنا وصف لطريقة الإدارة، لا لحجم النشاط أو نوعه، ولا انتقاص فيه من نجاح صاحبه. فقد تكون المؤسسة كبيرة ومنضبطة ورابحة، ويعمل فيها مديرون أكفاء، بينما تبقى إدارة أعمالها اليومية وقراراتها الكبرى وقيادة توسعها معتمدة على المؤسس وحده. وأين المشكلة ما دام العمل يربح؟ تظهر حين يكون الطموح بناء شركة تدخل أسواقًا جديدة، وتستوعب أعمالًا أكبر، وتستمر عبر الأجيال. فهذا طموح يحتاج إلى أكثر مما يتسع له وقت شخص واحد وخبرته وعلاقاته.
لماذا يبقى الدكّان دكّانًا؟ المفارقة أن النجاح نفسه قد يصبح أحد عوائق التحول. فالطريقة التي صنعت النمو تبدو للمؤسس دليلًا على صلاحيتها للاستمرار، ولا يرى حاجة إلى تغييرها ما دامت تحقق نتائج جيدة. لكن نجاحها في إدارة النشاط القائم لا يعني بالضرورة قدرتها على حمل توسع أكبر أو مواكبة مرحلة مختلفة. وكثيرًا ما تمنحه الثقة الشخصية اطمئنانًا أكبر من الكفاءة التي لم يختبرها، فيتردد في استقطاب قيادات جديدة ومنحها صلاحيات مؤثرة. وفي المقابل، قد يصعب جذب الكفاءات القيادية أو الاحتفاظ بها حين لا تجد مساحة حقيقية للقرار. وهكذا تتكوّن حلقة يعزّز فيها غياب القيادات القادرة اعتقاد المؤسس بأن العمل لا يستقيم إلا بوجوده. ويزيد من ذلك أن كلفة التحول ظاهرة، بينما تبقى كلفة الفرص الضائعة أقل وضوحًا. فرواتب القيادات وأنظمة المتابعة نفقات مباشرة، أما الأسواق التي لم تدخلها المؤسسة والفرص التي تجاوزت قدرة صاحبها على المتابعة، فلا تظهر عادةً في حساباتها. لذلك قد يبدو الإبقاء على الوضع القائم أقل كلفة، مع أنه يحدّ من قيمة أكبر كان يمكن بناؤها.
سقف الرأس الواحد
افتتاح مواقع جديدة، أو دخول أسواق أخرى، أو تنويع الأعمال، يحتاج إلى أشخاص يقودون ويقررون ويتحملون المسؤولية. وإذا ظلت هذه القدرة محصورة في المؤسس، بقي التوسع مرهونًا بما يستطيع الإشراف عليه بنفسه. هذا هو «سقف الرأس الواحد»: أن تتحدد آفاق المؤسسة بقدرة صاحبها مهما كانت كبيرة. وقد لا يظهر هذا السقف في خسارة، بل في فرصة يتردد في قبولها، أو سوق لا يدخله، لأنه يعرف أن طاقته على المتابعة بلغت حدها. ولا يتعلق الأمر بالوقت وحده؛ فمعرفة المؤسس وتجاربه قد لا تواكب جميع التطورات في النشاط نفسه. فقد يكون بارعًا في تجارة التجزئة، واختيار المواقع، والتفاوض مع الموردين، ثم تتغير طرق وصول العملاء إلى المنتجات وشرائها مع نمو التجارة الإلكترونية. عندها تظهر متطلبات جديدة: تسويق رقمي، وتحليل لبيانات العملاء، وربط المخزون بين المتجر والمنصة، وخدمات توصيل وإرجاع. تبقى خبرته ذات قيمة، لكنها قد لا تكفي وحدها لقيادة هذا التحول. وهنا يتيح بناء إدارة احترافية استقطاب معارف تُكمل خبرته، وتساعد المؤسسة على تجديد أسباب نجاحها.
ثقة تدعمها قواعد
قد يدرك المؤسس حاجته إلى إدارة احترافية، ثم يتردد في منحها صلاحيات مؤثرة. وتخوفه مفهوم؛ فهو سيتحمل تبعات قرارات لم يتخذها، في كيان أمضى سنوات في بنائه. ويشتد القلق حين تغيب الحدود بين الملكية والتوجيه والإدارة: من يحدد الاتجاه؟ ومن يعتمد الاستثمارات؟ وما الذي تملك الإدارة أن تقرره؟ ومتى يستدعي الأداء التدخل؟ لذلك لا يكفي أن نطالب المؤسس بالثقة. المطلوب إطار يجعلها ممكنة: كفاءات مناسبة، وصلاحيات محددة، وأهداف واضحة، ومعلومات منتظمة، ومساءلة فعلية. وبهذا يستطيع المالك أن يفوّض ويتابع ويحاسب، دون أن يتخذ كل قرار بنفسه. والحوكمة لا تضمن غياب الأخطاء، لكنها تساعد على ضبط المخاطر واكتشاف الخلل مبكرًا وتصحيحه. ويبدأ هذا الانتقال من اقتناع المؤسس بأهمية التحول، ورغبته في اغتنام فرص أكبر، واستعداده لتطوير طريقة إدارته. ويتطلب ذلك إشراك القيادة التنفيذية في مناقشة الخيارات وصنع القرارات، وتبادل المعارف والخبرات معها، ومنحها صلاحيات تتناسب مع مسؤولياتها. فوجود مديرين أكفاء لا يحقق غايته ما لم تتوافر لهم مساحة لاستخدام كفاءتهم. ويمكن أن يدعم هذا الانتقال مجلس إدارة فعّال يضم خبرات تناسب حجم المؤسسة وطموحها، مع وضوح اختصاصات الملاك والمجلس والإدارة التنفيذية. عندها يتفرغ المؤسس أكثر للتوجيه والرقابة ودعم القيادات، وتكسب الشركة قدرة على متابعة فرص متعددة وتعزيز ثقة الشركاء والممولين.
حين تتعدد الملكية بعد المؤسس
يكتسب هذا البناء أهمية مضاعفة حين تنتقل الملكية إلى الجيل التالي. ففي عهد المؤسس قد تجتمع الملكية والقيادة والمرجعية النهائية في شخص واحد. أما بعده فقد تتوزع الملكية بين أشخاص تختلف قدراتهم واحتياجاتهم: بعضهم يريد العمل في الشركة، وبعضهم يفضّل البقاء مساهمًا، وبعضهم يطلب توزيع الأرباح، وآخرون يفضّلون إعادة استثمارها. هذه اختلافات طبيعية، لكنها تحتاج إلى قواعد متفق عليها قبل أن تتحول إلى خلافات تعطل العمل. ومن أهمها التمييز بين حق الملكية وأهلية الإدارة. فالملكية تمنح حقوقًا في العائد والرقابة، أما المنصب التنفيذي فيحتاج إلى كفاءة ومسؤولية ومساءلة، سواء جاء صاحبه من العائلة أو من خارجها. والملكية العائلية لا تمنع الاستمرار الطويل؛ فشركة «ميليه» الألمانية، التي أسستها عائلتان عام 1899، ما زالت في أيدي أحفاد مؤسسيها. ويتيح الإعداد لهذه المرحلة في حياة المؤسس اختبار القيادات، وترتيب العلاقة بين الملاك والإدارة، ومعالجة مواطن الضعف، وهو لا يزال حاضرًا بخبرته وتأثيره. فينتقل إلى الجيل التالي، إلى جانب الأصول والاسم التجاري، كيان يمتلك القدرة على مواصلة العمل وتطويره.
هل تستطيع الشركة أن تبني مستقبلها؟
الاختبار الحقيقي لا يقتصر على أن تعمل المؤسسة إذا غاب صاحبها شهرًا، بل يشمل قدرتها في غيابه على دخول سوق جديدة، أو اتخاذ قرار استثماري كبير، أو تغيير قيادة، أو مواجهة تحوّل في النشاط؛ فتدرس الخيارات، وتقرر، وتنفذ، وتراجع النتائج. فزيادة المبيعات قد تجعل الدكّان أكبر، أما الشركة فتُبنى حين تتسع قدرتها على القيادة والتجدد والاستمرار. وذلك هو إنجاز المؤسس الأعمق: أن يبني مؤسسة تستمر بعده، وتتطور عبر الأجيال، وتصنع نجاحًا جديدًا، وتضيف إلى ما أسّسه.
أخبار ذات صلة
اقتصادتعاون بين "شل عُمان" و"يانغو" لتمكين سائقات سيارات الأجرة عبر مبادرة "هي تنطلق"
اقتصادجامعة التقنية والعلوم التطبيقية تحتفي برائدات الأعمال العُمانيات في يوم المرأة العُمانية
اقتصادسلطنة عُمان وميانمار تعززان التعاون الجوي باتفاقية تاريخية للخدمات الجوية
اقتصاد
