تنويه
هذا الخبر بعنوان "أوروبا تعاقب موسكو وتشتري طاقتها! | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مشهد يكشف عن تناقض صارخ بين الخطاب السياسي والمصالح الاقتصادية، تفرض أوروبا عقوبات اقتصادية على روسيا وتعلن دعمها لأوكرانيا في مواجهة الحرب، لكنها في الوقت نفسه تواصل شراء موارد الطاقة الروسية. يتساءل الكثيرون كيف يمكن للقارة الأوروبية أن تعاقب موسكو بينما تستمر في دفع مليارات اليوروهات مقابل النفط والغاز، اللذين يشكلان عصب الاقتصاد الروسي؟
وفقًا لنائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، بلغت مشتريات أوروبا من موارد الطاقة الروسية نحو 320.7 مليار دولار منذ عام 2022. من جانبها، ردت المفوضية الأوروبية بأن الرقم الأقرب للحقيقة هو 197 مليار يورو (حوالي 209 مليارات دولار) خلال الفترة من مارس 2022 حتى يوليو 2026، بناءً على بيانات يوروستات الرسمية. ورغم تباين الأرقام واختلاف المنهجيات، يبقى الثابت أن أوروبا دفعت مبالغ طائلة لروسيا مقابل الطاقة، متجاوزةً حزم العقوبات المتتالية.
لكن السؤال الجوهري ليس حجم الأموال، بل كيف تستمر موارد الطاقة الروسية في الوصول إلى الأسواق الأوروبية رغم العقوبات؟ أحد المسارات الرئيسية هو الغاز الطبيعي المسال القادم من مشروع يامال الروسي في القطب الشمالي. فقد استمرت الواردات الأوروبية من هذا الغاز بموجب ترتيبات تعاقدية قائمة، ووصلت شحنات إلى أسواق أوروبية مثل فرنسا وبلجيكا وإسبانيا وهولندا. هنا تتجلى المفارقة: تسعى أوروبا لتقليص اعتمادها على الطاقة الروسية، بينما تستقبل بعض دولها شحنات منها مستفيدة من العقود القائمة وحاجتها لتأمين الإمدادات.
المسار الثاني يتمثل في خطوط الأنابيب التي واصلت نقل الغاز والنفط الروسي إلى بعض الدول الأوروبية. ويبرز خط تركي ستريم، الذي ينقل الغاز عبر البحر الأسود، كأحد المسارات الحيوية لاستمرار تدفق الغاز الروسي إلى أسواق جنوب شرقي أوروبا. كما استمر تدفق النفط عبر أجزاء من خط دروزبا، مع وجود استثناءات وترتيبات خاصة لتزويد المجر وسلوفاكيا بالنفط الروسي. تكشف هذه الاستثناءات عن صعوبة الفصل التام بين السياسة والاقتصاد؛ فالدول الأوروبية تختلف في درجة اعتمادها على الطاقة الروسية وقدرتها على إيجاد بدائل سريعة.
تصطدم القرارات الأوروبية الهادفة لتقليص عائدات موسكو أحيانًا باعتبارات أمن الطاقة وتكاليف التحول إلى مصادر بديلة. أما المسألة الأكثر تعقيدًا فتتعلق بالمنتجات النفطية المكررة في دول ثالثة. قد يُصدَّر النفط الروسي إلى دول مثل الهند وتركيا، ليُكرَّر هناك إلى منتجات مثل وقود الديزل ووقود الطائرات، ثم تُصدَّر هذه المنتجات إلى أسواق أخرى، بما في ذلك الأسواق الأوروبية. هنا، يجب التمييز بين استيراد النفط الروسي مباشرة واستيراد منتجات مكررة في دولة أخرى، فلكل منهما وضع قانوني مختلف، ولا يعني دخول منتج نفطي إلى أوروبا أنه روسي المنشأ بالضرورة. ومع ذلك، تثير هذه المسارات تساؤلات حول مدى فعالية العقوبات في منع وصول العائدات إلى روسيا بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
يكمن جوهر المشكلة في أن العقوبات الاقتصادية لا تعمل بمعزل عن مصالح الدول، ولا تنهي العلاقات التجارية بمجرد صدور القرارات السياسية. عندما تكون الطاقة جزءًا أساسيًا من أمن الدول واقتصاداتها، يصبح التخلي عنها أكثر تعقيدًا من مجرد إعلان موقف سياسي حازم. منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، سعى الاتحاد الأوروبي لتقليص اعتماده على الطاقة الروسية وتنويع مصادر الإمدادات، ونجح في خفض هذا الاعتماد بشكل ملموس. لكن استمرار بعض الواردات يوضح أن هذا التحول لا يحدث بالسرعة نفسها في جميع القطاعات والدول، وأن المصالح الاقتصادية قد تترك منافذ لا تستطيع العقوبات إغلاقها بسهولة.
لا يعني ذلك أن العقوبات الأوروبية بلا أثر، أو أن جميع الدول الأوروبية تتعامل مع روسيا بنفس الطريقة، بل يعني أن قياس نجاح العقوبات يجب أن يرتكز على مدى قدرتها على تقليص الموارد التي تحصل عليها موسكو، دون أن تتحول تكاليفها إلى عبء كبير على الدول التي فرضتها. هنا تبرز المفارقة السياسية: كيف تطالب أوروبا روسيا بوقف الحرب وتدعم أوكرانيا، بينما تستمر بعض قنوات التجارة في نقل الأموال إلى الاقتصاد الروسي؟ إنها ليست مجرد مسألة أرقام، بل اختبار لمدى الانسجام بين المواقف المعلنة والسياسات الفعلية. العقوبات التي لا تُراجع آثارها الاقتصادية ولا تُسدّ الثغرات قد تتحول إلى سياسة مكلفة ومحدودة النتائج.
في نهاية المطاف، لا تُقاس صرامة المواقف السياسية بعدد البيانات أو العقوبات المعلنة، بل بمدى اتساق القرارات مع الأهداف الموضوعة. إذا كانت أوروبا تريد تقليص قدرة موسكو على تمويل حربها، فعليها أن تطرح سؤالاً واضحاً: هل يمكن تحقيق هذا الهدف بينما تظل موارد الطاقة الروسية تجد طريقها إلى أسواقها، بصورة مباشرة أو عبر مسارات تجارية أخرى؟ هذا هو التحدي الحقيقي أمام أوروبا: ليس إعلان معاقبة موسكو فحسب، بل ضمان ألا تتعارض مصالحها الاقتصادية مع الأهداف السياسية التي تعلن الدفاع عنها.
أخبار ذات صلة
اقتصادعُمان والصين تعززان الشراكة الاستراتيجية: الطاقة، التكنولوجيا، والفضاء في صدارة التعاون
اقتصادعُمان والصين تبحثان تعزيز الشراكات الاستثمارية في النقل والتقنية المتقدمة
اقتصادجلالة السلطان يبحث مع رئيس وزراء الصين تعزيز الشراكة الاستراتيجية والتعاون الاقتصادي في بكين
اقتصاد
