عُمان
تكنولوجيا

الهلوسة الرقمية: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل واقعنا وتاريخنا؟

الرؤية٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٣:٠٦ م0 مشاهدة
الهلوسة الرقمية: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل واقعنا وتاريخنا؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "في تحليل"الهلوسة الرقمية".. الذكاء الاصطناعي وصناعة الواقع! | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم يعد الذكاء الاصطناعي التوليدي مجرد أداة تقنية مساندة، بل أصبح فاعلًا معرفيًا يساهم في إنتاج المعرفة وإعادة تشكيل الذاكرة الجمعية. هذه الوظيفة، التي ارتبطت تاريخيًا بالأطر الاجتماعية للذاكرة كما أسسها موريس هالبفاكس، تُعاد قراءتها اليوم في ضوء الأنظمة الآلية، كما في دراسة "شور-أوفري وبيساخ" حول «الذاكرة الجمعية الروبوتية». لكن الإحكام اللغوي والقدرة الإقناعية لمخرجات الذكاء الاصطناعي قد يحجبان إشكالًا معرفيًا وسياسيًا بنيويًا يُعرف بـ«الهلوسة الرقمية»، وهي توليد محتوى يبدو متسقًا وصحيحًا في ظاهره، ولكنه مختلق أو مجانب للدقة في جوهره.

تكمن خطورة هذه الظاهرة ليس فقط في الخطأ بحد ذاته، بل في طريقة عرضه. فالنماذج اللغوية تميل إلى التعبير عن اليقين بمتوسط خطأ يبلغ نحو 47% في الإجابات المقدَّمة بثقة عالية، مما يدفع المستخدمين إلى الاعتماد عليها بشكل كبير، سواء وُسِمَتْ إجاباتها باليقين أم لا. ويتفاقم هذا الأثر في السرديات التاريخية والذاكرة المتنازع عليها، حيث يمنح الخطاب الواثق المنظَّم المعلومة المختلفة سلطة معرفية زائفة، قد تتحول إلى «حقيقة» راسخة في وعي المتلقي، مما ينذر بتشويه الذاكرة الجمعية.

الهلوسة الرقمية: من الخطأ التقني إلى الإشكالية الخطابية

تُعرّف الأدبيات التقنية الهلوسة بأنها مخرجات يولّدها نموذج لغوي كبير تبدو معقولة ومقنعة، لكنها تنطوي على معلومات مختلفة أو مجانِبة للوقائع، مثل المراجع غير الموجودة والاقتباسات المفبركة. وقد تبنّت أنقي شاو هذا التعريف في إطارها المفاهيمي المنشور في مجلة هارفارد كينيدي للتضليل المعلوماتي سنة 2025، مستندة إلى تحديد أوغنشتاين وزملائه (2024) لهذه الظاهرة. وترجع شاو نشأتها إلى الآلية الجوهرية لهذه النماذج، وهي التنبؤ بالرمز اللغوي التالي استنادًا إلى أنماط إحصائية في بيانات التدريب، وهي آلية لا تستحضر الحقيقة بالمعنى المعرفي الإنساني. وانتهت الباحثة إلى أن الهلوسة لا تُردّ إلى سوء نية أو انحياز معرفي لدى منتجها، بل إلى هشاشات تقنية متراكبة تجعلها حتمية بنيوية، فهي صنف متميز من التضليل لا يُقاس على التضليل البشري (Shao, 2025). وبالتالي، يصبح عمل هذا التوليد قائمًا على إنتاج نصوص غير موثوقة تخالف توقعات المستخدمين.

في السياق العربي، نبّه الباحث في المعرفة عارف بن خميس الفزاري (2025) في مقالته المنشورة بجريدة «عُمان» إلى أن تكرار الهلوسة يُقوّض الثقة في هذه النماذج، وأن مراجعة البشر لمخرجاتها تبقى شرطًا لا غنى عنه في التعليم والبحث العلمي. غير أن اختزال الهلوسة في عطل تقني يؤدي إلى إغفال بعدها الخطابي، فالنص المولّد يتخذ بنية خطابية مكتملة تشمل المقدمة والحجة واللغة الموضوعية والثقة في الصياغة، وهي البنية التي يمكن أن نصطلح عليها سلطة الخطاب الآلي. ويجد هذا الطرح سنده النظري في ما قرره ميشيل فوكو في درسه الافتتاحي بالكوليج دو فرانس (1970)، بعنوان «نظام الخطاب» بترجمة محمد سبيلا، من أن إنتاج الخطاب في كل مجتمع تضبطه إجراءات تحدّ من سلطته ومخاطره، وبذلك يكتسب الخطاب قوته من شروط إنتاجه وتداوله لا من صدقه وحده. وعلى المنوال نفسه، رأت سارة ميلز في كتابها «الخطاب» أن الخطاب عند فوكو ممارسة تُنتج موضوعاتها لا مجرد مجموعة من العبارات، وهو ما تبناه نورمان فيركلف في «الخطاب والتغير الاجتماعي» (1992) حين عدّ الخطاب ممارسة اجتماعية تسهم في تشكيل المعارف والعلاقات.

من هنا، يميل المستخدم إلى منح المخرجات مصداقية لأنها تظهر بلغة محايدة ومتقنة، وهي ظاهرة تُعرف في أدبيات التفاعل بين الإنسان والآلة بـ«التحيز للأتمتة»، والمقصود بها الإفراط في الاعتماد على التوصيات الآلية. وهذا التحيز لا يُفسَّر بفرط الثقة وحده، بل تتداخل فيه عوامل منها الخبرة المهنية والإلمام بالذكاء الاصطناعي وطبيعة المهمة. وكشف زو وزملاؤه (2024) في مؤتمر الجمعية الأمريكية للِّسَانيَّات الحاسوبية أن المستخدمين يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على مخرجات النماذج سواء وُسِمَت باليقين أم لا، مع أن النماذج تميل إلى الإفراط في الثقة بمتوسط خطأ يناهز 47% في إجاباتها الموثوقة. وهكذا يتحول الخطأ العارض إلى خطاب مقنع، ثم إلى مرجع يُستشهد به.

الهلوسة: أداة لتزييف المعرفة الحقيقية للتاريخ

تكتسب هذه الظاهرة خطورتها القصوى حين تتعلق بالتاريخ والذاكرة؛ فالتاريخ ليس مجرد مجموعة حقائق ثابتة، بل هو سردية تُبنى عبر اختيار الوقائع وتأطيرها وتحديد الضحايا والفاعلين. وقد ميّز بول ريكور في «الذاكرة، التاريخ، النسيان» بين صور من الذاكرة تتشكل بفعل الأيديولوجيا، فتنتقي من الماضي ما يلائمها وتنسى ما سواه (الذاكرة المتلاعَب بها)، وأخرى يصير فيها النسيان موضوع قرار تتخذه السلطة صاحبة الصلاحية (الذاكرة المأمورة). وحين يولّد نموذج ذكاء اصطناعي رواية تاريخية محرفة أو ناقصة، فإنه لا يقدم مجرد معلومة خاطئة، بل يساهم في إعادة توزيع المعنى داخل الذاكرة العامة.

تكشف الدراسات أن بيانات التدريب نفسها قد تحمل تحيزات وثغرات وتمثيلات غير متوازنة، مما يجعل النموذج قادرًا على إعادة إنتاج صور نمطية أو روايات تخدم مقومات سلطة بعينها. فالمدونات الضخمة المستمدة من الإنترنت تفرط في تمثيل وجهات النظر المهيمنة وتنطوي على تحيزات تضر بالفئات المهمشة. وفي السياق العربي، تزداد المشكلة حين تكون الأرشيفات الرقمية غير متاحة، أو مكتوبة بلغة المهيمنين، أو خاضعة لأنساق مضمرة سياسيًا وأيديولوجيًا. عندها قد يقدّم النموذج التاريخ الاستعماري أو الرواية الرسمية بوصفها معرفة متاحة، بينما تُهمَّش الروايات الشعبية، وشهادات الضحايا، واللغات المحلية، والذاكرة الشفوية. حتى أن النماذج العربية وتعددية اللغات قد تنحاز إلى الكيانات المرتبطة بالثقافة الغربية حتى حين تُخاطَب بالعربية ويُحدَّد لها سياق ثقافي عربي. والمصادر الشائعة في تدريب الذكاء الاصطناعي مثل "ويكيبيديا" قد لا تصلح لبناء نماذج واعية ثقافيًا ما لم تُعالَج، وهذا استنتاج تحليلي يحتاج إلى اختبار تجريبي في الحالة العربية.

إن إعادة كتابة التاريخ عبر الذكاء الاصطناعي لا تتطلب بالضرورة نية واعية للتضليل. فالمعلومات المضللة قد تنتشر دون قصد، بينما ينطوي التضليل على قصد خداعي. لكن الأثر السياسي قد يكون واحدًا: تثبيت رواية مهيمنة، وإضعاف قدرة المجتمعات على مقاومة السردية الرسمية أو الاستعمارية أو الأمنية.

خطاب الحياد وسلطة المنصات

تُقدَّم أدوات الذكاء الاصطناعي غالبًا بوصفها محايدة وعلمية وحديثة. لكن هذا الخطاب نفسه يستحق التحليل؛ فالحياد المزعوم يُخفي قرارات بشرية تتعلق بجمع البيانات، وتصميم النماذج، واختيار المصادر، وتحديد المحتوى المسموح أو المحظور. إن من يملك البنية التحتية الرقمية يملك إلى حد بعيد القدرة على تحديد أيّ الماضي يستحق الظهور وأيّ يُنسى. ومن زاوية نقدية بنيوية، فإن مسألة الهلوسة ليست مسألة أخلاقيات فردية للمستخدم فحسب، بل هي مسألة تتعلق بملكية المعرفة وتوزيع السلطة الرمزية. وهو الأفق الذي يستحضر مفهوم الهيمنة عند أنطونيو غرامشي؛ فالشركات التقنية الكبرى تتحول إلى وسيط بين المجتمعات وتاريخها، بينما تظل خوارزمياتها غير شفافة ومصادر بياناتها غير معلنة بالكامل.

وأفاد ماخورتيخ (2025) في مقالة له بأن استطلاعًا أجراه مع فيكتوريا فزياتيشيفا، بواقع ألف مشارك في كل بلد، أظهر أن 18.6% من المستجيبين الأمريكيين و12.7% من الألمان يستخدمون روبوتات الدردشة التوليدية للاستعلام عن الهولوكوست، وأن هذه الروبوتات، بخلاف محركات البحث، لا تحيل المستخدم إلى مصادر خارجية بل تقدم له الإجابة مباشرة. وفي مقابل هذا الدور الوسيط، تظل الخوارزميات غير شفافة ومصادر البيانات غير معلنة بالكامل. وفي هذا السياق نستحضر ما أعلنه هابرماس من إقرار بأن هذا الحوار المحايد والشفاف لم يكن موجودًا حتى داخل المجتمعات والسياقات المعرفية الغربية الحديثة نفسها.

ولعل النظريات الديكولونيالية والبوستكولونيالية تُسعفنا بتفسير أنماط السلطة التي تحكم الذكاء الاصطناعي، وتدعو إلى إدماج مقاربة نقدية في صميم الممارسة التقنية للذكاء الاصطناعي، باعتبار أن الواقع الرقمي ساحة صراع على الهيمنة، لا مرآة محايدة للعالم. إن الذكاء الاصطناعي لا يُعدم كل إمكانية للحقيقة ببساطة، بل يعيد تنظيم شروط إنتاجها. وحين تتحول الهلوسة الرقمية إلى خطاب مقنع، يصبح الماضي عرضة لإعادة كتابة صامتة تخدم مصالح السلطة التقنية والسياسية. لذلك، فإن الدفاع عن التاريخ لا يبدأ من رفض التكنولوجيا، بل من استعادة القدرة النقدية، المتمثلة في سؤال المصادر، وكشف التأطير، وحماية الذاكرة من أن تُختزل في مخرجات آلة لا تعرف المعنى، لكنها قادرة على إقناعنا بأنها تعرفه!

شارك الخبر: