عُمان تستغل الأزمات العالمية: فرص اقتصادية استثنائية تنتظر الاستثمار الحكيم


هذا الخبر بعنوان "فرص اقتصادية غير مستغلة | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُشير الدكتور صالح بن سعيد مسن إلى أنه عند تحليل المسار الاقتصادي لسلطنة عُمان في ظل التوترات الأمريكية الإيرانية، لا يقتصر الأمر على الفرص الاقتصادية الضائعة فحسب، بل يمتد ليشمل الفرص الاستثنائية التي أفرزتها الأزمة ولم يتم استغلالها بالسرعة والكفاءة المطلوبة. فالأزمات الكبرى لا تقتصر آثارها على اضطراب الأسواق وتعطيل سلاسل الإمداد، بل تُعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية الإقليمية وتفتح آفاقًا استراتيجية للدول القادرة على التحرك السريع واتخاذ القرارات الجريئة، وتحويل المتغيرات الجيوسياسية إلى مكاسب اقتصادية مستدامة. وعليه، فإن السؤال المحوري لصانع القرار الاقتصادي هو: كيف يمكن استثمار التحولات التي أحدثتها الأزمة الحالية لتعزيز موقع الاقتصاد الوطني، وجذب الاستثمارات الأجنبية الباحثة عن ملاذ آمن، وتطوير الموانئ العُمانية لتصبح مراكز توزيع وتصنيع وإعادة تصدير مستدامة لدول المنطقة؟
تبرز هنا الحاجة المُلحة لمراجعة منهج إدارة الفرص الاقتصادية في سلطنة عُمان، والانتقال من البيروقراطية الوزارية إلى إدارة شاملة للفرص الاقتصادية الوطنية في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة. لقد أدى اضطراب تدفقات النفط العالمية، نتيجة للحرب الأمريكية الإيرانية، إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات استثنائية تقارب 120 دولارًا للبرميل، مقارنة بسعر 60 دولارًا الذي بُنيت عليه الموازنة العامة للدولة لعام 2026، مما يعني مضاعفة سعر الموازنة. إن اجتماع ارتفاع الأسعار مع استمرار تدفق الصادرات النفطية العُمانية للأسواق العالمية يمكن أن يحقق إيرادات إضافية كبيرة للدولة في فترة وجيزة. لكن السؤال الأهم لا يتعلق بحجم هذه الإيرادات، بل بكيفية توظيفها. هل ستقتصر الاستفادة من هذه الفوائض المالية والمزايا التي أحدثتها الأزمة على تحسين المؤشرات المالية فقط، أم ستتحول إلى استثمارات منتجة، ومشروعات استراتيجية، وخطط وبرامج نوعية تعزز قدرة الاقتصاد الوطني على النمو بعيدًا عن تقلبات أسعار النفط؟
يجب الخروج من العقلية المحاسبية الضيقة التي تركز على المؤشرات المالية فقط، إلى عقلية اقتصادية أوسع، تتعامل مع هذه الفوائض المالية كمحركات رئيسية للنمو الاقتصادي، ومحفزات للأنشطة الاقتصادية غير النفطية، ومولدات لفرص العمل. على الرغم من أن الشعور السائد لدى القطاع الخاص هو الركود الاقتصادي، نتيجة للسياسات الاقتصادية الانكماشية، إلا أن سلطنة عُمان، بفضل السياسة الحكيمة لجلالة السلطان المعظم، تُعد من البلدان القلائل التي لم تتأثر سلبيًا بالأزمة. في المقابل، هناك مكاسب اقتصادية كبيرة لم تُستغل بالشكل المطلوب، وكان يُفترض أن يعيش الاقتصاد الوطني مرحلة انتعاش اقتصادي وزخم متواصل من التوقعات المستقبلية الإيجابية. إلا أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، العمود الفقري للاقتصاد العُماني، تعيش مرحلة ركود بسبب السياسات الاقتصادية غير المحفزة، والرسوم والضرائب المتغيرة، والسياسات العمالية المتقلبة.
في قطاع ترويج الاستثمار، وفي ظل الاضطراب الجيوسياسي الإقليمي، يُعيد المستثمرون الدوليون تقييم مواقع استثماراتهم ويبحثون عن بيئات مستقرة. هنا تبرز فرصة مهمة لسلطنة عُمان لاستقطاب استثمارات نوعية إلى مناطقها الاقتصادية الخاصة والصناعية، خاصة في قطاعات الصناعات التحويلية، والخدمات اللوجستية، والتخزين الاستراتيجي، والصناعات الغذائية والدوائية، ومراكز التوزيع الإقليمية. لكن هذه الفرصة تتطلب جهازًا قادرًا على التحرك الاستباقي، والتواصل المباشر مع الشركات العالمية وصناديق الاستثمار، وتقديم عروض جاهزة تتضمن المواقع المتاحة، والمرافق، والحوافز، والإجراءات. ويُتساءل عن كفاءة منظومة ترويج الاستثمار في تحويل المتغيرات الجيوسياسية إلى فرص استثمارية ملموسة؛ فبدلًا من الاكتفاء بالمعارض والمؤتمرات، ينبغي تحديد الشركات المستهدفة، والقطاعات ذات الأولوية، والمشروعات التي يمكن استقطابها بصورة عاجلة، ومتابعة كل فرصة حتى تتحول إلى استثمار فعلي.
يبرز الموقع الجغرافي لسلطنة عُمان كميزة استراتيجية مهمة، حيث تتيح منافذها البحرية المطلة على بحر العرب تصدير النفط والسلع دون المرور بمضيق هرمز، مما يعزز قدرتها على الوصول إلى الأسواق في ظل اضطراب الملاحة عبر المضيق. وهذا يعني أن الأزمة عززت موانئ السلطنة لتكون البوابة الرئيسية لعبور السلع والبضائع لجميع دول مجلس التعاون. لكن الفرصة الحقيقية تتجاوز استقبال السفن أو تحويل مسارات الشحن؛ فالمطلوب هو الانتقال من مفهوم الموانئ كنقاط عبور إلى مفهومها كمراكز متكاملة للتجارة والتصنيع والتوزيع والخدمات اللوجستية. وهذا يتطلب استقطاب الشركات العالمية والإقليمية لإنشاء مراكز توزيع ومستودعات استراتيجية، ومرافق للتجميع والتصنيع الخفيف، وخدمات لإعادة التعبئة والتغليف، ومراكز لإعادة التصدير، بما يتيح إضافة قيمة اقتصادية محلية إلى السلع قبل إعادة توجيهها إلى أسواق الخليج والمنطقة.
نحن أمام مرحلة تتيح لسلطنة عُمان فرصًا اقتصادية واستراتيجية كبيرة، لكنها ليست مضمونة ولا دائمة. فقد تتغير أسعار النفط، وتعود طرق التجارة إلى طبيعتها، وتشتد المنافسة الإقليمية. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك المقومات، بل في القدرة على توظيفها في الوقت المناسب. فالموقع الجغرافي لا يصنع مركزًا لوجستيًا عالميًا بمفرده، والفوائض النفطية لا تحقق التنويع الاقتصادي تلقائيًا، والمناطق الاقتصادية لا تستقطب الاستثمارات بمجرد وجودها. ما تحتاج إليه سلطنة عُمان هو فريق عمل ديناميكي، وقرار حكومي أسرع، وتنسيق مؤسسي أكثر فاعلية، ومنظومة مساءلة تقيس النتائج الاقتصادية الفعلية. إن نجاح السياسات الاقتصادية لا يُقاس بما تُعلنه المؤسسات من مؤشرات غير مؤثرة، بل بما يتغير في الاقتصاد نتيجة قراراتها، وبما تُوَلِّده من إنتاج وصادرات وفرص عمل وقيمة مضافة، وبقدرتها على تحويل الأهداف إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
عاجل
عاجل
سياسة
اقتصاد