عُمان
منوعات

ما لا يُقال: تأملات في الكلمات المؤجلة وقسوة الصمت

الرؤية١٩ أغسطس ٢٠٢٦ في ٠٢:٥٢ م0 مشاهدة
ما لا يُقال: تأملات في الكلمات المؤجلة وقسوة الصمت

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ما لا يُقال | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أغسطس ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في صباحات هذا الأسبوع، وبينما كانت الحياة تمضي كعادتها، كان الناس يركضون خلف أرزاقهم، وآخرون يحملون عائلاتهم إلى نزهة عابرة، وموظفون يتسابقون مع ساعات الدوام، وأطفال يبدؤون يومهم بضحكاتهم الأولى، كانت هناك حياة أخرى تمضي ببطءٍ شديد خلف أبواب أحد المستشفيات.

جلست هناك ثلاث ساعات، ثلاث ساعات فقط، لكنها بدت أطول من كثير من الأيام. وفي الخارج، كانت الحياة مستمرة بكل ضجيجها المعتاد، بينما كنت أجلس أمام نتيجة أعرف أن أحدًا ينتظر مني أن أنطق بها. لم يكن دوري أن أقرأ الورقة فحسب؛ كان عليّ أن أجد الكلمات التي ستأتي بعدها.

طوال الوقت، كنت أُرتِّبُ جملة، ثم أهدمها، أختار كلمة، ثم أستبدلها بأخرى، أتخيل الوجوه حين تسمع النتيجة، ونبرة الصوت، والأسئلة التي ستأتي بعدها، ثم أعود من البداية وكأنني أبحث عن طريقة يمكن للكلمات فيها أن تكون أقل قسوة. لكنني، في كل مرة، كنت أكتشف الحقيقة نفسها: لا توجد كلمة مناسبة تمامًا لبعض الأخبار.

ومنذ تلك اللحظة، أخذت أفكر في كل الأشياء التي نعجز عن قولها، ليس لأننا لا نملك الكلام، ولا لأننا لا نعرف كيف نتحدث، بل لأن بعض ما نشعر به أكبر من أن تحمله جملة. كم مرة وقفنا أمام شخص نحبه، وفي داخلنا كلام كثير، ثم خرجت منا عبارة عابرة مثل: "دير بالك على نفسك"؟

حين يمرض شخص عزيز، لا يكون أصعب ما في الأمر هو معرفة الخبر وحده؛ بل تلك اللحظة التي نحاول فيها أن نخبر من نحب، ونبحث عن كلمات لا تؤلمه، وعن نبرة لا تكشف خوفنا، وعن جملة تستطيع أن تقول الحقيقة دون أن تسقطها كاملةً فوق قلبه. وفي المقابل، هناك أفراح لا نعرف كيف نصفها، وأشخاص نريد أن نشكرهم فلا تكفينا كلمات الشكر.

ولعل أكثر ما يدهشنا في اللغة أنها، رغم كل ما تستطيع فعله، تعرف متى تعجز. فثمَّة مشاعر لا تُقال، بل تُفهم، في يدٍ تُمسِكُ يدًا أخرى دون سؤال، وفي شخصٍ يجلس بجانبك حين لا تعرف ماذا تريد. ربما لسنا بحاجة دائمًا إلى أن نقول كل شيء، لكننا بحاجة إلى ألّا نؤجِّل كل شيء، فبعض الكلمات، وإن كانت بسيطة، لها وقتها الذي لا يشبه أي وقت آخر.

عدتُ من المستشفى في ذلك اليوم، وبَقِيَتْ تلك الساعات الثلاث ترافقُني، لأسأل نفسي: كم مرة نؤجل الكلمات كأنَّ الوقت مضمون وكأنَّ الفرص لا تنتهي؟ الحياة أحيانًا تؤلمنا بما لم تمنحنا فرصةً لقوله، لذلك، إنْ كان في قلبك اليوم شيءٌ جميل، قُلْهُ، وإنْ كان هناك اعتذار، فلا تُرجِئهُ للغد.

شارك الخبر: