عُمان
منوعات

الفجوة بين القول والعمل: لماذا نتحدث عن الفضيلة ولا نمارسها؟

الرؤية٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦ في ٠٧:٥٥ ص0 مشاهدة
الفجوة بين القول والعمل: لماذا نتحدث عن الفضيلة ولا نمارسها؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "لماذا نتحدث عن الفضيلة ولا نمارسها؟ | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

من تشوّه المفاهيم إلى استعادة القيم، يبرز قلم الكاتب زكريا الحسني ليسلط الضوء على واحدة من أبرز الظواهر التي تستحق التأمل في واقعنا المعاصر، وهي الفجوة الكبيرة بين ما نقوله وما نمارسه في حياتنا اليومية. فنحن نتحدث كثيرًا عن الخير، والإحسان، والرحمة، والتسامح، والأمانة، والعدل، وحسن التعامل، ونستشهد بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال الحكماء والعظماء، وننشر المقالات والمقاطع التي تدعو للأخلاق والمعاني الراقية، لكننا نجد صورة مختلفة تمامًا عند الانتقال إلى أرض الواقع.

ولا تقتصر المشكلة على مجرد ضعف في التطبيق، بل امتدت في بعض البيئات لتؤدي إلى تشوّه المفاهيم نفسها؛ فأصبح الإحسان يُرى سذاجة، والطيبة غباءً، والتسامح ضعفًا، والرحمة استغلالًا، والصدق عدم قدرة على التعامل مع الواقع، والحزم قسوة، والقوة ظلمًا للآخرين. هذا الانحراف يعكس أزمة فكرية وقيمية وتربوية عميقة، إذ إن تغيير الإنسان لتعريف الخير في ذهنه يتبعه بالضرورة تغير في سلوكه. والأخطر هو فقدان المجتمعات القدرة على التمييز بين الفضيلة والرذيلة، لينظر الناس إلى الفضيلة بريبة وإلى السلوكيات الخاطئة كنوع من الذكاء أو المهارة.

ويعود جزء كبير من هذه المشكلة إلى تحويل التجارب الشخصية السيئة إلى قواعد عامة؛ كمن يتعرض للجحود بعد إحسان أو للخيانة بعد ثقة فيستنتج خطأ القيمة نفسها. بينما الحقيقة تكمن في سوء التطبيق أو غياب الحكمة، فالطيبة لا تعني السذاجة، والتسامح لا يعني التنازل عن الحقوق، والرحمة لا تتعارض مع الحزم. وهنا تبرز الحاجة الملحة لإعادة بناء المفاهيم قبل محاولة إصلاح السلوك، والبدء بطرح تساؤلات جوهرية حول معاني العدل، والقوة، والرحمة، والتسامح، والإحسان.

وتنتقل الخطوة التالية إلى تفعيل ثقافة الممارسة بدلاً من الاكتفاء بالمعرفة؛ فالصدق الحقيقي يظهر عندما يكون الكذب أكثر راحة، والعفو يُمارس عند القدرة على الانتقام، والأمانة تتجلى في غياب الرقيب. وقد أشار القرآن الكريم إلى خطورة هذه الهوة في قوله تعالى: "كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ". كما يتطلب الإصلاح إعادة بناء التربية الأخلاقية عبر الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام والمجتمع، والاعتماد على القدوة الحقيقية التي تقدر المبادئ والأمانة والإخلاص لا المظاهر فقط.

إن العلاج الحقيقي لا يكمن في التخلي عن الطيبة أو الإحسان، بل في بناء إنسان واعٍ، ومحسن رحيم حازم، ومتسامح قوي. وبهذا فقط يمكننا التحول من ثقافة الحديث عن الفضيلة إلى ثقافة ممارسة الفضيلة، وتحويل الأقوال إلى سلوك يومي يبني الفرد والمجتمع.

شارك الخبر: