طريق الحرير الرقمي: كيف تعيد البيانات والخوارزميات تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي؟


هذا الخبر بعنوان "طريق الحرير الرقمي | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي تقتصر على انتقال التجارة من الأسواق التقليدية إلى المنصات الإلكترونية، بل تتجه بصورة متسارعة نحو إعادة تعريف مفهوم التجارة ذاته. فإلى جانب حركة السلع ورؤوس الأموال، أصبحت البيانات والخوارزميات والبنية الأساسية الرقمية عناصر رئيسية في إنتاج القيمة وتوزيعها، وباتت القدرة على إدارة تدفقات البيانات ومعالجتها لا تقل أهمية عن القدرة على إدارة الموانئ وسلاسل الإمداد وشبكات النقل.
من هذا المنظور، يمكن قراءة افتتاح الدورة الخامسة للمعرض العالمي للتجارة الرقمية بوصفه جزءًا من تحول أوسع يتجاوز حدود المعارض التقنية والتجارية. فما يُعرض من تطبيقات للذكاء الاصطناعي، ومنصات رقمية، وحلول للتجارة العابرة للحدود، وتقنيات للحوسبة والخدمات الذكية، يعكس اتجاهًا عالميًا تتداخل فيه التجارة بالتكنولوجيا، والتكنولوجيا بالبيانات، والبيانات بقضايا السيادة والحوكمة. وهذا التداخل هو الذي يجعل التجارة الرقمية واحدة من أكثر ساحات الاقتصاد العالمي أهمية خلال المرحلة المقبلة.
على امتداد التاريخ، ارتبطت قوة الاقتصادات بقدرتها على الوصول إلى الأسواق والسيطرة على شبكات النقل والإنتاج. كانت الموانئ والطرق والأساطيل التجارية، ثم السكك الحديدية والمصانع وشبكات الطاقة، من أهم مقومات القوة الاقتصادية. هذه العناصر لم تفقد أهميتها، إلا أن بنية موازية أخذت تتشكل إلى جانبها: الكابلات البحرية، والألياف الضوئية، وشبكات الاتصالات، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والأقمار الصناعية، ومنصات التجارة الإلكترونية، وأنظمة الدفع الرقمي. وهكذا لم يعد الطريق التجاري مجرد ممر تتحرك عبره البضائع، بل أصبح كذلك شبكة تنتقل عبرها البيانات.
ضمن هذا التحول يبرز مفهوم طريق الحرير الرقمي باعتباره أحد الأبعاد المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق. فإذا كان طريق الحرير التاريخي قد ارتبط بحركة البضائع والأشخاص والأفكار، فإن الطريق الرقمي يرتبط ببنية مختلفة تشمل شبكات الاتصال، والكابلات، ومراكز البيانات، والخدمات السحابية، والتجارة الإلكترونية، وأنظمة الملاحة والاتصالات الفضائية.
غير أن توسع التجارة الرقمية يقود إلى قضية أكثر حساسية تتمثل في حوكمة البيانات؛ فكل معاملة رقمية تنتج بيانات، وكل منصة تجمع بيانات، وكل نظام ذكاء اصطناعي يحتاج إلى كميات كبيرة منها لكي يعمل ويتطور. وهنا تظهر مجموعة من القضايا التي ستصبح أكثر حضورًا في السياسات الاقتصادية، مثل ملكية البيانات، ومكان تخزينها، وضوابط الوصول إليها، وانتقالها عبر الحدود، وحماية الخصوصية، والأمن السيبراني، واستخدام البيانات في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
ويضيف الذكاء الاصطناعي مستوى آخر من التحول؛ فقيمة البيانات لا تتحدد بحجمها فقط، وإنما بالقدرة على تحويلها إلى معرفة وقرار. وبذلك لم تعد الفجوة الاقتصادية بين الدول مرتبطة فقط بقدراتها الصناعية أو المالية، بل تشهد فجوة أخرى تتشكل حول القدرة على إنتاج البيانات ومعالجتها وتطوير الخوارزميات والبنية الرقمية.
وبالنسبة للدول العربية، وخصوصًا دول الخليج، يحمل هذا التحول فرصًا وتحديات في آنٍ واحد، حيث تمتلك المنطقة موقعًا استراتيجيًا وقدرات استثمارية متنامية. أما بالنسبة لسلطنة عُمان، فيكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنظر إلى موقعها التاريخي والجغرافي، مما يتيح لها تحويل موقعها وموانئها ومراكز بياناتها إلى قيمة اقتصادية جديدة تربط الأسواق المحيطة بالمحيط الهندي والخليج وشرق أفريقيا وآسيا.
تكنولوجيا
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد