عندما يتحول التخريب إلى قناع زائف للقوة: قراءة في مآلات الأنظمة الاستبدادية والنهج الإيراني


هذا الخبر بعنوان "عندما يصبح التخريب آخر مظاهر القوة | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عجيب، وإن لم يكن مستغربًا، أمر الأنظمة الاستبدادية التوسعية، أينما وُجدت وبأي جلباب تجلببت؛ فهي قد تحقق في بداياتها بعض النجاحات والاختراقات، مستفيدةً من عنصر المفاجأة، أو من ضعف خصومها وترددهم، فتتوهم أن ما أحرزته قدر دائم، وأن قوتها عصية على التراجع. لكن ما إن تبلغ ذروة اندفاعها حتى يبدأ العد التنازلي، وتتحول المغامرات التي صنعت صعودها إلى عوامل تسرّع سقوطها. ولعل النظام النازي في ألمانيا أحد أبرز الأمثلة التاريخية؛ فقد حقق انتصارات عسكرية مذهلة في بداية الحرب، وسيطر خلال فترة قصيرة على أجزاء واسعة من أوروبا، ثم انتهى إلى تدمير ألمانيا وسقوط النظام نفسه.
وخلال المسافة الفاصلة بين الصعود والانهيار، تلجأ مثل هذه الأنظمة إلى تحوير الحقائق، وتحويل الإخفاقات إلى نجاحات، والهزائم إلى انتصارات، أو إلى «نكسات عابرة» في أحسن الأحوال؛ كما حصل لنا بعد هزيمة حرب 1967. ولا يبدو أن النظام الحاكم في إيران سيشذ عن هذه القاعدة. فقد أصبحت إيران، في حقبة ولاية الفقيه، تملك قدرة على التعطيل والتخريب تفوق بكثير قدرتها على البناء والإصلاح والتنمية. لكنها ترتكب خطأ فادحًا حين تظن أن القدرة على إلحاق الضرر بالآخرين دليل قوة أو برهان انتصار.
فالنظام الإيراني يستطيع تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، لكنه لا يستطيع السيطرة عليه وإدارته بصورة مستقرة. ويستطيع إرباك سوق الطاقة العالمي وعرقلة الصادرات النفطية لدول المنطقة، لكنه عاجز عن تصدير نفطه بصورة طبيعية وضمان موارد مستقرة لشعبه. كما يستطيع استهداف المنشآت الاقتصادية والبنية التحتية الخليجية، بصورة مباشرة أو من خلال حلفائه وأذرعه، لكنه لا يستطيع حماية اقتصاده من الانهيار أو عملته من التدهور. وكان الهجوم الأخير، المنطلق من الأراضي العراقية، على محطات في خط النفط السعودي «شرق–غرب»، وما أدى إليه من توقف مؤقت، مثالًا واضحًا على هذه المعادلة.
والأخطر أن النظام، بهذه السياسة، يهدم جسور التعايش المستقبلي بين إيران ومحيطها. فالدول قد تتجاوز الخلافات السياسية، لكنها لا تنسى بسهولة من استهدف أمنها ومنشآتها واقتصادها وحياة مواطنيها. وكما أصبح التعايش مع النظام النازي مستحيلًا بعد الجرائم التي ارتكبها بحق شعوب أوروبا، بات التعايش مع النهج الذي يحكم إيران اليوم بالغ الصعوبة. أما التعايش مع إيران أرضًا والشعب، فهو حتمية جغرافية وتاريخية ومصلحة مشتركة، ولكن في ظل نظام جديد يحترم حسن الجوار وسيادة الدول.
وعندما اندلعت الاحتجاجات الشعبية الإيرانية، ابتداءً من 28 ديسمبر 2025، على خلفية الأزمة الاقتصادية قبل أن ترتفع شعاراتها مطالبةً بإسقاط النظام، كتبتُ أنها قد تكون الانتفاضة التي تطيح به، أو أحد المسامير الأخيرة في نعشه. وقد تمكّن النظام من قمعها بوحشية، ولا سيما خلال يومي 8 و9 يناير 2026، وسط تفاوت كبير في أعداد الضحايا؛ فبينما تحدثت تقديرات مستقلة عن عشرات الآلاف، أقرت السلطات الإيرانية نفسها بسقوط 3,117 قتيلًا، بينهم نحو مئتين من أفراد الأمن. لكن قمع الاحتجاجات لا يعني معالجة أسبابها، والتاريخ يثبت أن قادة الأنظمة الاستبدادية نادرًا ما يستوعبون تجارب من سبقوهم مثل هتلر ومعمر القذافي وصدام حسين.
لقد عاش النظام الإيراني، منذ عام 1979، في مواجهة شبه دائمة مع محيطه الإقليمي والمجتمع الدولي. واستنزفته الحرب العراقية–الإيرانية طوال ثماني سنوات، ثم العقوبات والعزلة ومغامرات التوسع الخارجي، وصولًا إلى المواجهات العسكرية الأخيرة التي دمرت جانبًا كبيرًا من منشآته العسكرية والنووية والدفاعية، وأطاحت عددًا من أبرز قياداته السياسية والعسكرية، وفي مقدمتهم المرشد علي خامنئي. ويتزامن ذلك مع انهيار العملة، وارتفاع التضخم والبطالة، وتصاعد الإحباط داخل المجتمع الإيراني، فضلًا عن تفكك منظومة الأذرع في لبنان وسوريا وغزة وضغوط متزايدة في العراق واليمن.
ومهما يكن شكل التحول المقبل وتوقيته، فعلى دول الخليج العربية أن تستعد له بعقلانية وحذر، لا بروح الانتقام أو التشفي. إن سقوط النظام، إن وقع، يجب ألا يكون سقوطًا لإيران، بل بداية لإنقاذها؛ فالمنطقة لا تحتاج إلى إيران ضعيفة أو ممزقة، وإنما إلى إيران مستقرة ومسالمة ومزدهرة تتحول فيها القدرة من هدم الجسور إلى بناها ومن تصدير الأزمات إلى صناعة السلام.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة