فلسفة الدبلوماسية العُمانية: لماذا ترفض مسقط الانخراط في خنادق الاستقطاب الإقليمي والدولي؟


هذا الخبر بعنوان "عُمان لا تدخل خنادق الآخرين! | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
حين يخلط البعض بين مفهوم الوسيط ومفهوم الحليف في زمن الاستقطاب العالمي، تصبح قراءة السياسة شديدة الاختصار؛ فالتواصل مع الخصم يُفسر خطأً على أنه تأييد، وفتح باب الحوار يعتبر دخولاً في خندقه. بهذا المنطق المبسط يتم تداول المنشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكن لا يمكن أبداً إدارة دولة، أو منع حرب، أو بناء وساطة حقيقية لحماية منطقة بالغة الحساسية.
من هنا يتولد سوء الفهم تجاه السياسة العُمانية؛ فاستقبال مسقط لمسؤول إيراني يدفع البعض لوصفها بحليفة إيران، وحين تنقل رسالة أمريكية إلى طهران يُنسى أن الطرف الآخر يستطيع إطلاق التفسير ذاته لصالح واشنطن. ووسط هذا الضجيج يغيب السؤال الجوهري: كيف لدولة أن تلعب دور الوسيط إذا طُلب منها قطع الاتصال بنصف أطراف النزاع؟ فالوسيط الذي يعجز عن دخول غرف الخصوم يفقد صفته ليصبح عضواً في أحد المعسكرات المتصارعة.
تعود جذور هذه المدرسة الدبلوماسية إلى ما قبل أزمات اليوم بكثير؛ ففي عام 1833 وقعت سلطنة مسقط والولايات المتحدة معاهدة صداقة وتجارة، وفي عام 1840 أبحرت السفينة «سلطانة» ومبعوثها أحمد بن النعُمان إلى نيويورك لتسجيل أول دبلوماسية عربية معتمدة لدى واشنطن. لقد أدركت عُمان مبكراً أن الدول المطلة على البحار والممرات التجارية تدير شؤونها بعقلية الموانئ ذات الأبواب المفتوحة والمصالح المتبادلة، بعيداً عن عقلية الجدران والعداوات المطلقة.
وعندما انضمت سلطنة عُمان إلى الأمم المتحدة في 7 أكتوبر 1971، أكد خطابها الأول التمسك بالسيادة والسلام والصداقة ورفض فرض الإرادة، مع إعلان الوقوف الواضح مع القضية الفلسطينية. وقد جمعت عُمان بين امتلاك الموقف المبدئي وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة، وهي معادلة تتجاوز مفهوم الحياد التقليدي إلى الحياد الإيجابي الذي يحفظ قرار الدولة ومصالحها العليا.
تكرر هذا النهج في مواقف تاريخية عدة؛ ففي نهاية السبعينيات امتنعت عُمان عن قطع العلاقات مع القاهرة عقب معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وخلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، حافظت مسقط -باعتبارها عضواً مؤسساً في مجلس التعاون الخليجي منذ عام 1981- على قنوات اتصال سرية مع طرفي النزاع لدعم جهود السلام ووقف إطلاق النار.
وتحولت هذه الثقة الراسخة إلى رأس مال سياسي أثمر لاحقاً عن استخدام واشنطن لعُمان قناةً دبلوماسية خلال أزمات الثمانينيات، والإفراج عن محتجزين أمريكيين في إيران عامي 2010 و2011، وصولاً إلى استضافة الاتصالات الهادئة التي سبقت الاتفاق النووي المرحلي في نوفمبر 2013 واجتماعات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في نوفمبر 2014.
وفي الملف اليمني، استمرت مسقط في التواصل مع مختلف الأطراف ودعم جهود المبعوثين الدوليين، حتى أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن هانس جروندبرج في أبريل 2026 محورية الدور العُماني في دعم الحوار والوساطة. إن الدبلوماسية الحقيقية لا تقاس بارتفاع الأصوات ولا بعدد بيانات الإدانة، بل بقدرة الوسيط على حفظ ثقة خصمين لا يثقان ببعضهما البعض.
إن عُمان بدفاعها عن الحياد الإيجابي وأدوات الوساطة تسعى لحماية أمنها القومي ومنطقة مضيق هرمز وبحر عُمان وبحر العرب والمحيط الهندي من انفجار إقليمي مدمر. وكما أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش في عام 2021، فإن عُمان تظل وسيطاً موثوقاً وبانية جسور أساسية للاستقرار الإقليمي، ليظل ذلك الهاتف الوحيد المتبقي بين المتقاتلين رمزاً حقيقياً للقوة والنفوذ.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة