عُمان
سياسة

قراءة تحليلية في تعقيدات الوساطة الدولية ودورها الحاسم في إنهاء الصراعات

الرؤية١٥ سبتمبر ٢٠٢٦ في ٠٩:٤٨ ص0 مشاهدة
قراءة تحليلية في تعقيدات الوساطة الدولية ودورها الحاسم في إنهاء الصراعات

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الوساطة والصراعات المعقدة | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تؤكد تجارب إنهاء الصراعات الدولية بجلاء، سواء العادية أو شديدة التعقيد، الدور المحوري الحاسم الذي اضطلع به الوسيط لإنهاء الصراع تمامًا، أو تجميده عند مرحلة معينة. ومع ذلك، فالوساطة ليست بالمسألة السهلة والسحرية؛ إذ إن مجرد تورط الوسيط المقبول في حل الصراع لا يمنح الأمل السريع لإنهاء الصراع، ولعل الوساطة الباكستانية لإنهاء الحرب الإيرانية خير مثال حديث شاهد على ذلك.

الوساطة من الوسائل السلمية لحل الصراعات، أي عملية طوعية برمتها من حيث قبول أطراف الصراع للوساطة والوسيط، وممارسة الوسيط دوره بحيادية دون ممارسة أي نوع من الإكراه أو وجود شبه انحياز لأحد الأطراف. بيد أن هذا التنميط الكلاسيكي للوساطة لا يستقيم مع واقع التجارب العملية لمعظم الصراعات لا سيما الصراعات المعقدة الطويلة.

كشفت تلك التجارب أمورًا شديدة العجب أفرغت في كثير من الأحيان فكرة الوساطة من مضمونها، من ضمنها أن أطراف الصراع أو أحدهما قد يقبل الوساطة كتكتيك لكسب الوقت أو إضاعته أو لمآرب أخرى كثيرة. أيضًا، قد يتورط الوسيط في الصراع لمجرد الوجاهة والنفوذ وسرعان ما ينسحب من الوساطة، أو لترجيح كفة طرف على آخر.

وأهم نتيجتين على الإطلاق خلصت لها التجارب، لا سيما شديدة التعقيد، تتعلقان بقدرة الوسيط الفعلية على حل الصراع. والأولى تتمحور حول وسيط قادر ولديه قدرات كبيرة، ومخطط شامل أيضًا في صراع طويل معقد لكن يريد أطرافه إنهاءه بالفعل، وتنطبق بنسبة كبيرة على معظم الوساطات القطرية لا سيما الصراع في أفغانستان.

وعلى سبيل المثال، كان لدى الولايات المتحدة رغبة أكيدة في الانسحاب من أفغانستان، وكان لدى طالبان رغبة في إنهاء الصراع والعودة للحكم، لكن كان الأمر لا يستلزم فقط وسيطًا يقدم مقترحات وحلول كالمعتاد في الوساطات، بل لديه موارد كبيرة للإنفاق على مسار المفاوضات الذي دام سنوات، وخلية عمل متفرغة من متخصصين لديهم أدق التفاصيل لتلك الوساطة، وشبكة إعلامية ودبلوماسية قوية لتسهيل وترويج الوساطة، ووعود حقيقية بالتنمية والتعمير في أفغانستان بعد الحرب، وشبكة علاقات دولية للضغط بصورة غير مباشرة على أطراف الصراع.

وبرهنت تلك السابقة وغيرها أن الوساطة ليست هي الإطار الكلاسيكي المرتبط بنزاهة وحياد الوسيط، بل عمل شاق للغاية يجب أن يؤسس على مخطط كامل وحساب التكلفة الباهظة له. والثانية، وهي الأهم والأخطروالتي يطلق عليها بعض متخصصي الوساطة الوساطة الإكراهية، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقوى الكبرى في حل الصراعات.

في ذلك النمط تتورط قوى كبرى كوسيط في الصراع وفي الغالب برضاء أطراف الصراع لكنها تمارس ضغوطًا شديدة على الأطراف أو أحدهما لإنهاء الصراع، وفي بعض الأحيان التهديد باستخدام القوة لأن لها مصلحة أساسية لإنهاء الصراع. والأمثلة متعددة، حيث أغلب الصراعات في أفريقيا أنهتها فرنسا على هذا النمط ولا تزال قواتها مرابطة هناك منذ أكثر من عقدين، والصراع في البوسنة انتهى كذلك، وفي مفاوضات كامب ديفيد كان النفوذ الأمريكي حاسمًا لإبرام الاتفاق.

خلاصة القول إن الوسيط ليس مجرد طرف نزيه محايد، أو ساعٍ للوجاهة، بل طرف ينخرط في الوساطة ولديه القدرة الفعلية على إنهاء الصراع. وينطبق ذلك على الحرب الإيرانية التي تتزايد في الصعوبة والتعقيد بما يدفع المنطقة إلى حالة طويلة معقدة من الفوضى، وتعد الصين الوسيط المثالي حاليًا لا سيما وأن لديها مقترحات عملية لإعادة هندسة المنطقة على أساس التنمية والاستقرار.

شارك الخبر: